عفيف الدين التلمساني
147
شرح مواقف النفري
يستحي منه ، وسبب ذلك أن التعليل يظهر على خلاف ظاهر فتأول به الحكم فكأن العبد إذا رأى خلاف معتقده الذي سلم فيه إلى ربه فتبقى صوره توجب أن لو كانت مع غير الحق استحياء ، فإن استحياء الحق مجاز ، فإن الاستحياء تأثر والتأثر انفعال من فعل فاعل هو العبد ، وهذا بعيد في الحق الحضرة المنزهة واستعمال المجاز مستحسن فلا إنكار فيه . قوله : ( وقال لي : المعرفة ما وجدته والتحقق بالمعرفة ما شهدته ) . قلت : جعل الوجدان للأحوال وهي معارف جزئية وجعل التحقق بالعرفان للشهود ، والشهود هو الفناء في المشهود . قوله : ( وقال لي : العالم يستدل عليّ ، فكل دليل يدله إنما يدله على نفسه لا علي ، والعارف يستدل بي ) . قلت : هذا اللفظ نقله ابن العريف بعينه في رسالته الملقبة بمحاسن المجالس وهو قوله : « العالم يستدل علي والعارف يستدل بي » وتفسير ذلك أن العالم فاقد ، والعارف واجد ، ثم إنه ليس في الأدلة ما يدل على الحق تعالى ، أما الأول : فلأن مقدمات البرهان إذا سلمت وكانت كلية في الضرب الأول من الشكل الأول لم يدل عليه تعالى ، وذلك أن معنى الكلية أن يقول إن كل واحد في الإيجاب فيشير إلى الموجودات والحق تعالى وجود ولا يطلق عليه أنه موجود إلا مجازا ، وكل الموجودات بالوجود ، فالبرهان إنما يدل على الموجود لا على الوجود . وقوله : « فإنما يدل على نفسه » أي على ما في قوته من الموجودية لا من الوجودية . وأما العارف فيستدل به تعالى وهو يدل على نفسه من شاء برحمته . قوله : ( وقال لي : العلم حجّتي على كل عقل فهي فيه ثابتة لا يذهل العقل عنها وإن تذاهل ، ولا يرحل عن علمه وإن أعرض ) . قلت : إنما كان العلم حجة على العقل من قبل أن العقل يثبت الغيرية ، ومعنى العلم فهو في الغيرية فالحق تعالى دعا الخلق إلى طاعته على قدر عقولهم إذ قد دعاهم بالعلم المساوي للعقل في إثبات الغيرية ، فقامت الحجة على العقول إن هم أعرضوا عن الاستجابة للّه ورسوله إذا دعاهم بما يعترفون بصحته .